هـل يؤثـر التلفزيــون علي القدرات السمعية للأطفــاj
أن يقلق الأهل من اللغة التي تستخدمها برامج الأطفال التليفزيونية فهي لن تضر التطور اللغوي لدى الأطفال، ولكن حذار من أن تؤثر مشاهدتهم لبرامج التليفزيون وأفلام الفيديو طوال اليوم على مهارات القراءة والكتابة لديهم. أخبار طيبة! لنبدأ أولاً بالأخبار الطيبة وأبرزها أنه لا يوجد حقيقة سبب يدعو إلى القلق بشأن اللغة التي تنطق بها العرائس التليفزيونية في أفلام الأطفال وبرامجهم. فطريقتهم الغريبة في التحدث- التي تشبه صوت الديك الرومي- لن تضر التطور والنمو اللغوي لدى أطفالكم على الإطلاق، وذلك لسبب بسيط للغاية وهو أن الأطفال لا يتعلمون اللغة من خلال التليفزيون. إن اكتساب اللغة يتم من خلال تفاعل الخبرات، ومن خلال التدرب على التحدث، والاستماع للناس الذين يعرفون القواعد الخاصة باللغة. وقد وصفت الأستاذة جين اتشيسون، في إحدى محاضراتها العام الماضي حالة لفتاة سوية، ولكن والديها من الصم، لكنها لم تتعلم مهارة التكلم رغم أنها كانت تشاهد وتستمع لبرامج التليفزيون طوال اليوم. ومع ذلك، فقد تعلمت لغة تخاطب واحدة، مثل أمها وأبيها، ألا وهي لغة الإشارة. إن الانتباه السلبي (من جانب واحد) للتليفزيون ليس له أي علاقة تذكر بالاتصال أو باللغة، ومن ثم لايهم حقيقة إذا ماكان الأطفال يشاهدون العرائس التليفزيونية المتحركة، وذلك لأنه ليس باستطاعة أيٍّ منهما التأثير قيد أنملة على قدرة الأطفال على الكلام، أو على الاستماع وهو أمر له القدر نفسه من الأهمية. وأخبار سيئة! والآن حان الوقت لنتحدث عن الأخبار السيئة أو غير السارة. وفي هذا السياق نذكر أن التليفزيون بوجه عام ومشاهدة برامج التليفزيون وأفلام الفيديو على وجه التحديد طوال اليوم قد يكون له تأثير مضاد على إمكانية الأطفال على الاتصال (التخاطب) على المدى البعيد، لا من حيث اللغة المنطوقة ولكن من حيث قدرتهم على القراءة والكتابة. إن هناك عاملاً مهماً ومؤثراً يبدأ في سنوات ماقبل المدرسة ويمتد إلى السنوات الأولى من المدرسة الابتدائية، وإن لم نتعرف عليه ونتعامل معه فقد يمتد تأثيره إلى ما بعد ذلك. وهناك كم متزايد من الأدلة التي تشير إلى أن التعرض للتليفزيون والفيديو طوال اليوم من شأنه الإضرار بشكل خطير بقدرة الأطفال على الاستماع. ففي دراسة بحثية طويلة الأمد، أجرتها دكتورة سالي وورد، اختصاصية معالجة مشكلات التكلم والتخاطب، اكتشفت أن عدداً متزايداً من الأطفال، البالغين من العمر تسعة أشهر، لا يستطيعون أن يميزوا صوتاً أمامياً واضحاً بسبب وجود رواسب ضوضاء خلفية مصاحبة لهم. وحينما بدأت د. سالي وورد في مشاهدة الأطفال وفحصهم طوال اثني عشر عاماً مضت كانت نسبة من يعانون العوائق أو المشكلات 20%، بيد أن هذه النسبة أصبحت الآن مابين 35 إلى 40% ومازالت في تزايد. وقد قامت د. سالي بمزيد من الأبحاث التي أشارت إلى اعتبار التليفزيون المسؤول عن وجود ضوضاء مستمرة مترسبة في ذهن الأطفال. فالتلفزيون حينما يكون مفتوحاً، يحسن بالآباء ألا يتحدثوا مع أطفالهم لأنهم لن يكونوا قادرين على الاستماع لأولياء أمورهم أوآبائهم. الوقاية أفضل وفي ضوء ما سبق، نجد أن خمسي أطفال الأمة في الوقت الحاضر يخفقون في تعلّم الانتباه لصوت والديهم بالمعدل المطلوب. ومالم يتم معالجة هذا الخلل لدى الأطفال، سيصبحون عندما يبدأون دراستهم الأولية غير قادرين على الانتباه لصوت مُعلمهم أيضاً. وعلى الرغم من توفر فرص جمة لمعايشة تتسم بالتفاعل اللغوي في المدرسة، إلا أنه من الواجب أن تتطور في النهاية مهارات الاستماع واللغة. لكن المشكلة تكمن في أن الضرر الذي قد لحق بالطفل من جراء التليفزيون يكون من المتعذر إصلاحه أو علاجه خصوصاً فيما يتعلق بقدرة الأطفال على اكتساب مهارات القراءة والكتابة. وقد اكتشف الباحثون، في السنوات الأخيرة، أن العنصر المميز في تشخيص الأطفال غير القادرين على القراءة يسمى «الوعي الخاص بعلم الأصوات الكلامية» ويقصد به القدرة أو عدم القدرة على التوافق مع أصوات اللغة. ومالم يكن المرء على دراية بأصوات محددة للغة، فسيصعب عليه الربط بين الكلمات التي نتكلمها والرموز المكتوبة في صفحة. يبدو أن وعي الأطفال بالأصوات يتطور على مراحل فيبدأون بالتعرف على الكلمات ككل ثم يصبحون تدريجياً على دراية بالأصوات الفردية داخل تلك الكلمات. ويبدو أن هذه الحساسية تزيد وتنمو من خلال تعرُّض الطفل للغة نمطية متعددة الأنواع- كالوزن الشعري- والتكرار والجناس وفوق كل ذلك، السجع. وعلى المرء أن يعترف بقدرة الطفل على اكتشاف أوجه التشابه الصوتي في الكلمات المسجوعة قبل أن يتمكن من اكتشاف أوجه التشابه بين تلك الكلمات في نطقها الهجائي. والطفل الذي لا يطوّر، لسبب أو لآخر هذا الوعي بأصوات اللغة، سيصبح لديه حتماً فيما بعد مشكلات في عملية القراءة والكتابة. ومن الأسباب الثابتة للتطور اللغوي الضعيف نذكر العجز الوراثي عن القراءة ويُعرّف الأطفال المصابون بهذا العجز أو أي أسباب جسمانية أخرى بـ «الطراز العرقي «Genotypes» المشترك في بنية وراثية مخصوصة. ومع ذلك، فهناك عدد بارز من الأطفال المصابين بكل أعراض العجز عن القراءة ولكن ليس هناك سبب جسماني أساسي واضح لهذا العجز. ويبدو أن هؤلاء الأطفال الذين يطلق عليهم «Phenotype» وتعني الشخص الذي يُحكم عليه وفق مظهره لاوفق تركيبته الوراثية أو الجينية، يعكسون أعراض العجز عن القراءة كنتيجة لعوامل بيئية، وقد تزايد عدد هؤلاء الأطفال في السنوات الأخيرة بشكل مثير. وهناك عديد من العوامل البيئية المحتملة التي يمكن اعتبارها سبباً لهذه الزيادة. فعلى سبيل المثال، نجد أن العوامل المسببة للتفشي الحالي لداء الربو قد تعتبر أيضاً سبباً لكثير من حالات الزكام وانسداد الأنف التي تؤدي إلى حالات فقدان السمع المؤقت لدى بعض الأطفال، وهي ما يُعد سبباً آخر واضحاً للمشكلات المتعلقة بالأصوات الكلامية، لكن البحث الذي أجرته د. سالي وورد، يشير إلى احتمالية أن يكون الانتشار الهائل لوسائل الإعلام المرئية خلال السنوات الأخيرة أحد العوامل الضخمة لمشكلات الأطفال المذكورة. قبل اختراع ما يمكن تسميته بالمربيات الإلكترونية- ونعني بها أجهزة التليفزيون والفيديو- كانت مهمة أولياء الأمور أو الإخوان أو الأخوات الكبار شغل الأطفال الصغار والاهتمام بهم. وكانت الطرائق التقليدية لإلهاء الصغار متمثلة في ترديد الأغاني المسلية وأناشيد وقصص وحكايات فترة الحضانة، والتي تتميز- بكثرة -بالوزن الشعري والتكرار والجناس والسجع وأشكال اللغة النمطية المختلفة التي تطور وتنمي المهارات السمعية لدى الأطفال. ومع ذلك فبمجرد فتح أجهزة التليفزيون الآن، تنعدم الحاجة إلى المتعة السمعية. ويذكر لنا معلمو دور الحضانة ومعلمو الأطفال في كل أنحاء البلاد أن الأطفال يلتحقون الآن بالمدارس دون أن يكون لديهم الذخيرة التقليدية التي اعتدناها من الأغاني والأناشيد التي كانت تُلقى فيما مضى على مسامع الصغار منذ نشأتهم الأولى. أما الشيء البارز في أطفال اليوم فيتمثل في قدرتهم على التجاوب مع الحافز المرئي، لا الصوتي، للشاشة الذهبية. وإذا لم تعوضهم الأنشطة اللغوية التي يلمون بها في سنوات الدراسة الأولى عما فقدوه قبل بدء مرحلة تعلم القراءة والكتابة الرسمية، فربما أصيب جزء كبير منهم بأعراض العجز عن القراءة بسبب عوامل البيئة الخارجية. والواقع أنه لامجال لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ولا فائدة من جعل الآباء يشعرون بالذنب من جراء رغبة أطفالهم في مشاهدة التليفزيون.. فالحقيقة أن الأطفال يحبون هذا الجهاز السحري ولايمكن أن ننكر أنه وإن كان سبباً للمشكلات إلا أنه يجلب أيضاً كثيراً من المنافع. لكن الشيء المهم في هذا الصدد يتمثل في ملاحظة التغيرات التي أحدثها، ومحاولة تعويضها. ومن الضروري أن يعرف أولياء الأمور مدى أهمية إغلاق جهاز التليفزيون لفترة من الوقت كل يوم، وأهمية التحدث مع أطفالهم والاستمتاع معهم بإيقاعات اللغة ونماذجها. وتظل برامج العرائس التليفزيونية التي توصف بأنها كلام فارغ بمنزلة بداية لتعلم الحديث وجمالياته على غرار ما نلحظه في عبارتنا المتداولة مع الصغار مثل «قط نط خطف دجاجة»، فهي وسيلة بسيطة لتحقيق المتعة والتسلية، لكنها أيضاً بداية طيبة لتعويد الأطفال الأصوات. وهناك حاجة ماسة أيضاً إلى مطالبة معلمي الحضانة والمرحلة الابتدائية بأن يعدلوا وسائلهم في التعليم لتطوير هذا الوعي اللغوي، وتعويض الأطفال الذين فاتهم نصيب كبير من هذا الأمر. ولا يعني هذا بدء التعليم الرسمي في سن مبكرة للغاية؛ لأن الأطفال ذوي المهارات اللغوية والسمعية المتأخرة سيشعرون بالتيه والحيرة إذا ما انخرطوا مباشرة في تعلم علوم الصوتيات، وقد يسبب هذا كثيراً من الضرر لهم. لكن المقصود هو إعداد برامج سليمة وجيدة لتطوير الوعي اللغوي الصوتي لدى جميع الأطفال من خلال أفضل القنوات التي تؤدي هذه المهمة والمتمثلة في السجع والإيقاع أو الوزن الشعري والحكايات، والقصص، والأغاني وكل أشكال اللغة التي تجلب المتعة والتسلية. علاوة على ذلك يجب إجراء تقويم منتظم ودوري للأطفال لتبين من هم بحاجة إلى مزيد من المساعدة والمعاونة ولو على أساس دراسة كل حالة على انفراد. إن معلمات دور الحضانة والسنوات الأولى الابتدائية يلعبون دوراً مهماً في النظام التعليمي أشبه ما يكون بدور سندريلا، تلك الفتاة الجميلة الهادئة الحالمة التي يهواها الأطفال الصغار. ولذلك يجب أن تكف الحكومة عن تزويد مدارس تعليم الحضانة بالمعلمين الأقل كفاءة أو جودة، بل إن البالغين الذين يعتنون بالأطفال في البيوت «ولا نعني بالضرورة الأمهات» لا يلقون اعترافاً مناسباً بالدور الذي يلعبونه. وإذا كنا نرغب في أن يكون لدينا مجتمع مثقف ومتعلم فيجب أن نعترف بأهمية دور جميع البالغين الذين يتعاملون مع الأطفال الصغار ويساعدونهم على التجاوب مع هذا التغيير الحادث في ثقافتنا. ومالم نتجاوب وبسرعة مع هذه المتغيرات، فإن دعوة ديفيد بلانكيت (وزير التعليم البريطاني) للتميز في التعليم قد يُحكم عليها بالفشل. وفي الوقت الذي يبدأ كثير من الأطفال- البالغين من العمر خمس سنوات- تعلّم كيفية القراءة والكتابة، تضيع كثير من الأهداف، والنوايا المرجوة من التعليم ولا تلقى آذاناً صاغية. نشر في مجلة (المعرفة) عدد (34) بتاريخ (محرم 1419هـ -مايو 1998م)
|